الأحاديث النبوية والذوق العام

بقلم: د. نبيل بن أحمد بلهي
2022-03-29
الأحاديث النبوية والذوق العام

الأحاديث النبوية...والذوق العام 

بقلم: د. نبيل بن أحمد بلهي

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنَا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد: فإنَّ من مظاهر الاجحاف المعاصر في التعامل مع السنة النبوية، استنكار الأحاديث الصحيحة التي يظهر للبعض أنَّها لا تتلاءم مع الذوق العام، ويصرِّحُ البعض الأخر أنَّه لا يمكن العمل بها لمنافاتها الذوق المعاصر، فجعلوا هذا الذَّوق المعاصر أصلًا تعرض عليه متون الأحاديث النبوية، فما احتمله هذا الذوق قُبِلَ، وما رفَضَهُ ومَجَّهُ تخلَّصُوا منه إمَّا بالإسقاط، أو الإفراغ من المحتوى بضروبٍ من التأويل.

والحقيقة أنَّ هذه القضية ليست عند عامَّة الناس فقط، بل عند بعض المثقفين، الذين لم ترسخ قدمهم في فهم علوم الشريعة وحقيقة السنة النبوية، وكيفية وصولها إلينا، ومناهج العلماء في فهمها والعمل به.

من أجل هذا ظهر لي أن أبحث في التأصيل العلمي لهذه القضية، أقصد معارضة الأحاديث الصحيحة بالذوق العام، وبيان مدى عِلْمِيَّة وموضوعية هذا المسلك في نقد متون السنة النبوية، وسيكون ذلك وفق العناصر الآتية.

♦ مفهوم الذوق العام.

الذوق العام بمعناه المعاصر المتداول: هو ما تَسْتَحْسِنُهُ طِبَاع قوم في زمن مخصوصٍ، فتتقبَّلُه نفوسُهم ولا تمجُّهُ طباعهم، وأعني هنا ما يتعلَّق بالقضايا المجتمعية (كالأكل، والشرب، واللباس، والسلوك البشري في الأماكن الظاهرة) ونحوها من الأمور.

وهذا الذوق هو نتاجُ تفاعل ثقافة الناس مع بيئتِهِم، ومؤثرات أخرى دينية واجتماعية وتاريخية، تُشَّكِّل في النهاية ذوقًا عامًّا يُقِرُّهُ الضمير الاجتماعي، وهو أقرب ما يكون اجتناب (خوارم المروءة) وما لايقبَلُهُ (العرف) في المعنى الشرعي المعروف لدى الباحثين، ويمكننا من خلال هذا التعريف أن نقف على أهم خِصِّيصَتَين للذَّوق العامِّ مما له خلاقة ببحثنا:

1- الذوق العام نسبيٌّ، يختلف من زمانٍ إلى آخر ، ومن مكانٍ إلى آخر.

2- الذوق العام هو المعروف عرفًا في غالبية المجتمع، بِغَضِّ النظر عن صحته من بطلانه، فقد يستحسن المجتمع ذوقًا غير صِحِّيٍّ، أو غير شَرْعِيٍّ، ولكن النَّاس تواردوا عليه.

♦ معارضة بعض المعاصرين للأحاديث النبوية بالذوق العام.

يلاحظ المتتبع لقضايا السنة النبوية المعاصرة ظاهرةً بدأت تَتَفَشَّـى عند بعض المثقَّفين، وهي رفض الأحاديث النبوية التي لا تتوافق مع الذَّوق العام بزعمهم، وهذا في الحقيقة نوع من أنواع تحكيم العقول على النصوص النبوية،    و هو أسلوب متكرِّرٌ عند أصحاب المدرسة العقلية المعاصرة بمفهومها الواسع ، والتي من أخصِّ خصائصها التأثُّر الشديد بسلطة الثقافة الغالبة (الثقافة الغربية)، الأمر الذي انعكس سِلْبًا على موقفها من النصوص الدينية، والأحاديث النبوية خصوصًا، ولعلَّ أبرز حديث رُدَّ بدعوى مخالفته الذوق العام (حديث الذُّباب)، وهو ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، أنَّ النبي e قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ ‌فِي ‌إِنَاءِ ‌أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً».[1] حيثُ زعموا أن غمس الذباب في الإناء ثم الشرب منه، يتنافى مع الذوق، وبالتالي فالحديث باطلٌ.

يقول زكرياء أوزون: "وعلى الرغم من تعارض معطيات ذلك الحديث مع نتائج وتطبيقات البحوث العلمية، ومع الذَّوق الإنساني السليم، فإنَّنا نجد كثيرا من السادة العلماء الأفاضل يدافع عن ذلك الحديث".[2]

ويقول معقِّبًّا على حديث النبي e: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ ‌فَلَا ‌يَمْسَحْ ‌يَدَهُ ‌حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ  يُلْعِقَهَا»[3] ما نصُّهُ: "يعرف هذا الحديث أيضا بحديث البزازة، وهي ظاهرة تنافي الذوق السليم، وتجانب الطبَّ الوقائي...وإذا كان بعض العلماء الأفاضل يرى في ذلك الحديث مظهر شُكْرٍ وتقديرٍ لنعمة الله، فإنَّنِي أرى – مع كثيرين غيري- مظهر تخلُّفٍ وقَرَفٍ واشمئزازٍ فيه".[4]

ونلحظ هذا الأسلوب في النقد يتكرَّر في كتابات العقلانيين والحداثيين المعاصرين، ولولا خشية الإطالة لسقتُ بعض نصوصهم، لكن فيما أوردناه كفاية، والسؤال المطروح  هنا: هل هذه المعارضة أسلوبٌ علمي؟ و هل الذوق العام مقايسٌ لنقد متون الأحاديث؟ هذا ما نسعى للإجابة عليه في ما يأتي ذكره.

 

 

♦ مقياس الذوق العام ومدى صلاحيته لنقد الحديث.

من المهارات في مناقشة منكري الأحاديث من المعاصرين، عدم الاسترسال معهم في الجزئيات، والتركيز على بيان صحَّة المنهج، وسلامة الأصول؛ لأنَّ المنهج إذا كان فاسدًا بُنِيَ على قواعد هشَّة، فجميع التطبيقات في نقد الأحاديث بهذا المسلك واهية، بناءً على هذا يمكننا إبطال هذا المسلك المعاصر في النقد من وجوه:

الأول) المقايِيس النقدية يجب أن تكون ثابتة ليُقَاس عليها غيرُها، وأمَّا ما كان نِسْبِيًّا متغيِّرًا فلا يمكن عِلْمِيًّا جعله مقياسًا، وهذا ينطبق تماما على (الذوق العام)- الذي سبق وأن بَيَّنَّا أنَّه نِسْبِيٌّ- فالذوق في بلد عربي إسلامي ليس كذوق بلد أعجمي يدين بالإلحاد، وها نحن نرى في بلاد الغرب اليوم أنَّ الذوق العام بدأ يتقبل قضية (المثلية، والشذوذ الجنسي)، بل البلد المسلم الواحد تختلف الأذواق فيه بين المناطق والقبائل والعشائر، فما يراه قوم مخالفًا للذوق العام، يراه قوم آخرون شيئا عاديًّا بل مستحسنا.

وقد وقع أنَّ لحم ضَبٍّ وُضِعَ بين يدي رسول الله e وأصحابه، فأمسك ولم يأكل فقال خالد بن الوليد: أحرام الضَّبُّ يا رسول الله؟ قال: «لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي ‌أَعَافُهُ».[5]

فهؤلاء المعاصرون يريدون نقد متون الأحاديث التي تتعارض مع الذوق المكتسب من الثقافة الغربية المهيمنة، خاصة فيما تعلَّق بالأكل واللباس وقضاء الحاجة ونحوهما، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنَّ عرف النبي e ليس كعرفنا، لذلك تعجب ابن القيم -رحمه الله- ممن سلك هذا المسلك ، فقال:  "ويا سبحان الله! هل يدل مجرَّد ذوق الشيء على حكمه، وأنَّه حقٌّ أو باطل؟ وهل جعل الله ورسوله الأذواق والمواجيد حججًا وأدلَّة، يميَّز بها بين ما يحبُّه ويرضاه".[6]

فالذَّوق لا يرقى أبدًا إلى أن يكون مقياسًا لصحَّة الأخبار؛ لأنَّه لا يعدو أن يكون حالة اجتماعية عابرة، مقيَّدة بزمان ومكان معيَّنَيْن، وما كان كذلك لا تُعَارض به الأحاديث الصحيحة التي أُمِرنا بالتسليم لها شرعًا.

يقول ابن أبي العز الحنفي: "وكذلك السنَّة تأتي مبيِّنة أو مقرِّرة لما دلَّ عليه القرآن، لم يُحْوِجْنَا ربُّنا -سبحانه وتعالى- إلى رأي فلان، ولا إلى ذوق فلان، ووجده في أصول ديننا".[7]

الثاني) مشكلة هؤلاء المعاصرين في نقد الأحاديث بدعوى مخالفتها للذَّوق العام، هي سوء فهم الأحاديث النبوية، والتعسُّف في مقارنتها بواقعنا المعاصر، فقد تناسى هؤلاء أنَّ تلك الأحاديث قِيْلَتْ قبل نحو من أربعة عشر قرنًا، في بيئة نَصِفُهَا بلغتنا المعاصرة بأنَّها (بدائية) حيثُ العفوية في التصرُّفات، وصعوبة العيش، وقلَّة ذات اليد، فهم ينظرون إلى بعض التفاصيل المتعلِّقة بالذوق العام بمنظار عصرنا، وهو سبب الخطأ في الفهم الذي ترتَّب عليه الاستشكال ومن ثَمَّ النقد، ولو أنَّهم نظروا إلى تلك الأحاديث بمنظار ذلك الزمان وخصُوصِيَّته لوجدوها موافقة لعرفهم وذوقهم في ذلك الزمان.

فدخول النبي e على عائشة وهي ابنة تسع، كما ورد ذلك في صحيح البخاري عن عروة: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا».[8] قد يَعُدُّهُ هؤلاء مخالفًا للذوق المعاصر، وشيئًا لا يمكن تصوره؛ لأنَّهم يتصوَّرون الجارية في سنِّ التاسعة، بصورة البنت الصغيرة في عصرنا التي تدرس في (المرحلة الابتدائية)، وغفل هؤلاء أنَّ الجارية ابنة تسع سنين قبل أربعة عشر قرنًا امرأة كاملة بأتَمِّ معنى الكلمة، وأن الزواج في تلك السنِّ أمر معهود في ذلك الزمان عند العرب والعجم.  

وحديث لَعْق الأصابع بعد الأكل الذي زعم (زكرياء أوزون) أنَّه مخالف للذوق المعاصر، معناه جِدُّ مفهوم بالنظر إلى أحوال الناس في ذلك العصر، وقلَّة الطعام والشراب، وحرص الناس على شكر النعمة وترك التبذير، فلا يوجد أيُّ مانع لاستمرار العمل بذلك في عصرنا، من أجل هذا ردَّ الإمام الخطابي قديمًا على من أنكر الحديث بزعم مخالفته للذوق، فقال: "قد عاب قومٌ لعق الأصابع؛ لأنَّ الترفة أفسدَ عقولهم، وغيَّر طباعهم الشبع والتُّخمة، وزعموا أنَّ ‌لعق ‌الأصابع ‌مستقبح أو مستقذر، أو لم يعلموا أن الذي على أصابعه جزء من الذي أكله فلا يتحاشى منه إلا متكبر ومترفه تارك للسنة".[9]

وكذلك حديث البزاق في الثوب، الذي أخرجه البخاري عن أنس بن مالك «بَزَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْبِهِ».[10] ليس فيه ما يُسْتَغْرَب بالنسبة للعصر الذي عاش فيه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا الأمر لا يمجُّهُ الذوق العام عندهم، وليس فيه ما يستقذر في عرفهم، فهو بمثابة التمخُّط في المنديل في عرفنا، فلا يمكن بحالٍ ردُّ هذا الحديث بدعوى أنَّه ينافي الذوق العام المعاصر؛ لأن ذلك جناية على العلم والنقد العلمي.

 الثالث) نقد متن الحديث بدعوى مخالفته للذوق المعاصر، ليس من الأساليب العلمية المعتمدة عند نقَّاد الحديث، وهم المرجِعُ الأساس في هذا العلم الدقيق؛ لأنهم أصحاب الخبرة، واتقان هذه الصنعة، والعقلاء متَّفِقون على التسليم لأهل الاختصاص في اختصاصهم، يقول أبو العباس ابن تيمية: "المنقولاتُ فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التميِّيز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث، كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب، ونرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطبِّ وغير ذلك، فلكلِّ علم رجالٌ يُعْرَفْون به، والعلماء بالحديث أجلُّ هؤلاء قدرًا، وأعظمهم صدقا، وأعلاهم منزلة، وأكثر دِيَنا".[11]

 فكما أنَّه لا يجوز في حَقِّنا أن ننكر عربيةَ بعض الألفاظ والتراكيب اللغوية، لكونها غير معهودة لدينا، أو تمجُّها النفوس، وتستثقلها الأذنان، لكونها من (وَحْشِيِّ اللَّغة)، فكذلك الأحاديث النبوية لا تردُّ بمثل هذا المسلك المضطرب علميًّا، الفاسد منهجيًّا، وإلا فَسَدَتْ العلوم، ولَزِمَ من ذلك فسحُ مجال نقد ما تطرحه العلوم الأخرى، بدعوى أن الذوق المعاصر يمجُّه، وهذه هي الفوضى العلمية بعينها.

 

وخلاصة القول أنَّ نقد متون الأحاديث بعرضها على الذَّوق المعاصر، مسلك خاطئ، ليس له أساسٌ علميٌّ، ونتائجه كارثية على نصوص الوحي، وهو في النهاية جزءٌ من منهج معارضة السنَّة بالعقل بالمتشبِّع بالثقافة الغربية، واعتماد بعض المعاصرين له في نقد الحديث، حَيْدَةٌ عن المنهج العلمي الذي يتفق عليه العقلاء.

وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

 

 



[1] أخرجه البخاري في صحيحه (90)

[2] جناية البخاري، زكرياء أوزون: ص147.

[3] أخرجه البخاري في صحيحه (5456).

[4] جناية البخاري، زكرياء أوزون: ص148.

[5] أخرجه البخاري في صحيحه (4500).

[6] مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية: 3/ 410.

[7] شرح الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي: 1/ 49.

[8] أخرجه البخاري في صحيحه (5158)

[9]  عمدة القاري، العيني: 21/ 76. ومعالم السنن، الخطابي: 4/ 260.

[10] أخرجه البخاري في صحيحه (241).

[11] منهاج السنة، ابن تيمية: 7/ 34- 35.