أعلام الأمة الأئمة الأربعة (1 – 4) الإمام أبو حنيفة

بقلم: أ.د. أحمد جمال أبو سيف
2022-05-23
أعلام الأمة الأئمة الأربعة (1 – 4)   الإمام أبو حنيفة

 

 

الأئمة الأربعة (1 – 4)

 

الإمام أبو حنيفة

هو إمام أصحاب الرأي، وفقيه الملة عالم العراق، ذو "المراتب الشريفة والمناصب المنيفة، سراج في الظلمة وهاج، وبحر بالحكم عجَّاج2، سيد الفقهاء في عصره، وراس العلماء في مصره، له البيان في علم الشرع والدين، والحظ الوافر من الورع المتين، والإشارات الدقيقة في حقيقة اليقين، مهد ببيانه قواعد الإسلام، وأحكم بتبيانه شرائع الحلال والحرام، وصار قدوة الأئمة الأعلام، سبق الكافة منهم إلى تقرير القياس والكلام، وغدا إماما تعقد عليه الخناصر ويشير إليه الأكابر والأصاغر، انتشر مذهبه في الآفاق، وعُدّ من الأفراد بالاتفاق، فضله وافر، ودينه ثابت، وعَلَمُه في مراده للمجد ثابت"[1]

الإمام النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي، الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، ويقال: إنه من أبناء الفرس.

ولد: سنة ثمانين، في حياة صغار الصحابة، ورأى: أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة، ولم يثبت له حرف عن أحد منهم.[2]

وأتى به والده علي بن أبي طالب رضي اللهعنه فدعا له بالبركة، قال إسماعيل حفيده: "أنا  إِسماعيل بن حماد ابن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي فِي سنة ثمانين، وذهب ثابت إِلَى عَلِي بْن أَبي طَالِب وهُوَ صغير فدعا لَهُ بالبركة فِيهِ وفي ذريته ونحن نرجو من الله أن يكون قد استجاب الله ذلك لعلي بن أَبي طالب فينا"[3]

عني في بداية أمره بالآثار وارتحل في طلبها، واهتم بعدد من العلوم، ثم كان من أمره أن تفرغ للفقه ولازم الإمام حماد بن أبي سليمان حتى مات حماد رحمه الله.

صفاته

كان أبو حنيفة ربعة من الناس، حسن الصورة و الهيئة، تعلوه سمرة، من أبلغ الناس نطقا، وأعذبهم نغمة، وأبينهم عما في نفسه، كثير التعطر، هيوبا، لا يتكلم إلا جوابا، ولا يخوض -رحمه الله- فيما لا يعنيه. [4]

زاهدا سخيا ورعا عابدا متنسكا، عميق الفقه، قوي الحجة.

 

عقيدته:

كان الإمام أبو حنيفة على اعتقاد السلف الصالح في مسائله الكبرى وأصوله العظمى كما هو حال الأئمة الأربعة عموما، سوى ما نقل عنه أحرف يسيرة، وذكر بعض أهل العلم ما يشعر برجوعه عنها.[5]

قال شيخ الإسلام رحمه الله :
" إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى ويقولون إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ويقولون إن الله يرى في الآخرة ، هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم ، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين مثل مالك بن أنس والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ..."[6]

ومن أقواله في ذلك[7]:

" لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السُّنَّة والجماعة وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، حيٌّ قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه ووجهه ليس كوجوه خلقه"[8]

عبادته:

بوب الإمام الخطيب البغدادي في "تاريخه": "ما ذكر من عبادة أبي حنيفة وورعه"[9]، وفيه:

قال الحسن بن مُحَمَّد الليثي: "قدمت الكوفة فسألت عن أعبد أهلها فدفعت إلى أبي حنيفة"

وقال أبو عاصم النبيل: "كان أَبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته".

وقال حماد بن أبي حنيفة: " لما مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة ولم تتوسد يمينك بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء".

قال يحيى بن نصر: "كان أبو حنيفة ربما ختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة".

 

 

قوة فقهه وعظيم حجته

كان الإمام أبو حنيفة فقيها لا يشق له غبار، واتصف كذلك بقوة حجته وعظيم فهمه وسرعة إقناعه، فمن ذلكم:

قال حماد بن زيد: "أردت الحج فأتيت أيوب أودعه، فقال: بلغني أن فقيه أهل الكوفة أبا حنيفة يريدالحج فإذا لقيته فأقرئه مني السلام"[10]

 وسئل الأعمش عن مسئلة فقال: "إنما يحسن الجواب في هذا ومثله النعمان بن ثابت الخزاز؛ أراه بورك له في علمه"[11]

وكان معظما للسنة مفتيا بها، "قال أبو يوسف: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من الثقات أخذنا به، فإذا جاء عن أصحابه لم نخرج عن أقاويلهم، فإذا جاء عن التابعين زاحمناهم"[12]

وقال شيخ الإسلام ابن المبارك: "... وأما أفقه الناس فأبو حنيفة ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله"[13]

وقال كذلك: "إ ذَا اجتمع سفيان، وأَبُو حنيفة فمن يقوم لهما عَلَى فتيا".

و قال الشافعي: "من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة"[14]

وأما حجته فيخبرنا عنها الإمام مالك رحمه الله: قال الشافعي رحمه الله: سئل مالك بن أنس هل رأيت أبا حنيفة وناظرته؟ فقال: نعم، رأيت رجلا لو نظر إلى هذه السارية وهي من حجارة، فقال إنها من ذهب لقام بحجته"[15].

ومع عظم علمه وقوة حجته إلا أنه امتنع عن تولي القضاء تورعا، وضرب على ذلك فأبى، رحمه الله[16].

وفاته:

ومات رحمه الله ببغداد في رجب سنة خمسين ومائة، كما ذكر أكثر مترجموه.

هؤلاء آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع.

 

 



[1] منازل الأئمة الأربعة، (163-164).

[2] السير، (6 / 391).

[3] تاريخ بغداد، (13 / 325 – 326).

[4] السير، (6 / 399 – 400).

[5] التمهيد، (9 / 247).

وانظر: اعتقاد الأئمة الأربعة، (3 – 8).

[6] منهاج السنة النبوية، (2 / 54).

[7] انظر: اعتقاد الأئمة الأربعة، للشيخ محمد الخميس.

[8] الفقه الأبسط، (56).

[9] تاريخ بغداد، (13 /351).

[10] الانتقاء، (125).

[11] المصدر السابق، (126).

[12] أخبار أبي حنيفة، (11).

[13] تهذيب الكمال، (29 / 430).

[14] تاريخ بغداد، (13 / 346).

[15] طبقات الفقهاء، (86).

[16] تاريخ بغداد، (13 / 127).