من فضل الله تعالى على البشرية أن أوصلها لتطور علمي غير مسبوق،ومن ذلك البحث الإلكتروني باستعمال تقنيات التكنولوجيا،فما كان يبحث عنه في شهر تبحثه الآن في ثوان معدودة،والكتب التي لا يمكن الوصول إليها إلا بتعب وعناء،تأتيك على وجه السرعة وبغير مقابل مادي وأنت تجلس على أريكتك محتسياً القهوة.
فالسرعة في وصول المعرفة مع الراحة في تحصيلها وضخامة حجم المعلومات ما يميز عصر الانفجار المعرفي الذي نعيشه،وهذا يشمل جميع التخصصات العلمية ومنها العلوم الشرعية،فمن كان يحلم أن يفتح تفسير الطبري-على سبيل المثال-بطبعاته و تحقيقاته المتعددة وهو في مكتبه الخاص،أو من كان يفكر أن يقرأ في التمهيد والاستذكار لابن عبد البر-رحمه الله تعالى-وهو في بيت أبيه وأمه،بل وتنظر في أبحاث المشارقة و المغاربة وأنت في جوف غرفتك،وتستمع لأهم الاصدارات العالمية من الكتب وأنت على راحلتك. !!!كل ذلك كان ضرب من الخيال قبل عقدين من الزمن،لكنه الآن واقع مشاهد وقدر محتوم،وما سيأتي عبر الذكاء الصناعي أعظم بكثير مما نتحدث عنه الآن.
هذه المميزات التي وفرتها التكنولوجيا كان لها أثر واضح في سرعة إنجاز الأبحاث،وكمية ما يكتب منها،وتعدد المجلات العلمية المختصة بالنشر،مع اعتماد كثير منها على التحكيم عبر المراسلة الإلكترونية،وفي ذات الوقت كان لها أثر عكسي في تكوين شخصية الباحث،فجيل الباحثين اليوم-إلا من رحم الله-يتكون فكره البحثي بحسب قدراته البحثية الإلكترونية وليس وفق بنائه المعرفي في طلب العلم من بطون أمهات الكتب[1] وعلى يد العلماء،والتأدب بآداب طالب العلم[2] ،والشوق للقراءة[3]،وهذا جعل منه روبوت باحث و ليس مفكراً باحث،مما أصاب بعضهم بخمول فكري وكسل بحثي،لسهولة وسرعة الحصول على المعرفة،بل و تجرأ بعض آخر على السرقات العلمية-والله المستعان -.
وهذه الآفات البحثية لا تعني بحال ترك الإفادة من تكنولوجيا البحث العلمي-فهذا من نكران النعم-،بقدر ما تحتاج إلى توعية وإعادة بناء قدرات الباحثين في الدراسات الإسلامية بطريقة صحيحة و متدرجة،بمعرفته لمصادر العلوم الشرعية و تقديرها و تعظيم مؤلفيها و الأدب معهم،ومعرفة مناهج تأليفها ومراتبها،وطريقة استعمالها،فإن الكتب الورقية أصبحت مهجورة،وما لم يشتم الباحث ورق كتب العلماء فلن يجد رائحة البحث العلمي.
فالمطلوب ربط الباحث بالكتب و المكتبات،فالبحث الإلكتروني يعطيك ما تطلبه فقط،أما الكتب فتعطيك ما تطلبه و ما لا تطلبه في ثنايا تصفحك للكتاب،فيفتح الله عليك من الأفكار البحثية ما لا يخطر على فكرك،فلذلك من أسباب العقم الفكري في إيجاد المشكلات البحثية أن الباحث الإلكتروني يعتمد على الجهاز ولا يعتمد على عقله،فالجهاز يتحكم بطريقة تفكيره،أما الباحث المفكر فهو يجمع بين الحسنيْين،قوة التكوين العلمي بإطلاعه وانكبابه على كتب العلماء و سرعة البحث الإلكتروني.
وكتبه:أ.د علي بن إبراهيم بن سعود العجين.
في بيرين الخضراء-الأردن
صبيحة الجمعة
29 ربيع الأول 1443ه-الموافق 5 /11 / 2021م.
[1] ينظر في منهجية قراءة كتب العلوم الشرعية،الخضير،الشيخ عبد الكريم الخضير،المنهجية في قراءة الكتب وجرد المطولات،منشور على النت،
،تاريخ الدخول:5 /11 / 2021 م،الساعة الثامنة صباحاً.https://ia600406.us.archive.org الرابط:
[2] ينظر في آداب طلب العلم،أبوزيد،الشيخ بكر عبد الله أبو زيد،حلية طالب العلم،مؤسسة الرسالة،بيروت،1422 ه-2002 م،الطبعة الأولى.
[3] ينظر في الحث على تكوين ملكة القراءة،العمران،علي بن محمد العمران،المشوق للقراءة و طلب العلم،دار عالم الفوائد،مكة المكرمة،1425 ه،الطبعة الثالثة.
